من أعلى جبل الشيخ، اختار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن يجمع جبهتين لا تجمعهما طاولة تفاوض واحدة في مشهد واحد. فهو لن يغادر الجبل و"المنطقة الأمنية" في سوريا ما دامت التهديدات قائمة، وخاطب الرئيس السوري أحمد الشرع بالقول إنه سيرى القوات الإسرائيلية حين ينظر من دمشق نحو الجبل. وفي الموقع نفسه، أشار إلى أن القوات الإسرائيلية ترى من هناك دمشق وسهل البقاع وما وصفه بمعقل حزب الله في لبنان.
المفارقة أنّ هذه الرسالة الإسرائيلية "المزدوجة" تأتي في مرحلة يتقدّم فيها الحديث عن التفاوض بالتوازي مع استمرار الضربات، فهي جاءت بعد أيام من اجتماع سوري–إسرائيلي بوساطة أميركية في الأردن أعاد تشغيل مسار أمني كان قد توقف خلال الحرب الإقليمية، وفي وقت يواصل لبنان مسارًا تفاوضيًا منفصلًا بدأ بعد اتفاق 26 حزيران، فيما بقيت قضايا الانسحاب الإسرائيلي وآلية التحقق ونزع السلاح عالقة بعد جولات روما.
لكنّ المشهد ليس واحدًا في لبنان وسوريا، فظروف البلدين مختلفة، كما أنّهما لا يتفاوضان على الاتفاق نفسه. فدمشق تريد وقف الضربات الإسرائيلية، وانسحاب القوات التي تقدمت بعد سقوط نظام بشار الأسد، والعودة إلى ترتيبات فصل القوات لعام 1974. أما لبنان فيتحرك ضمن إطار 26 حزيران الذي يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي ببسط سلطة الدولة ونزع سلاح المجموعات المسلحة وآليات للتحقق.
رغم ذلك، تستخدم إسرائيل على الجبهتين لغة متشابهة: احتلال يستمر ما دام "التهديد" قائمًا، وحدوده تحددها هي. ففي جنوب لبنان، تحدث كاتس عن "وجود ممتد" حتى نزع سلاح حزب الله وإزالة تهديده، وفي سوريا كرر أن الجيش لن يغادر جبل الشيخ والمنطقة الأمنية ما دامت هناك تهديدات. وبين المنطقتين تقع جغرافيا حساسة تربط جبل الشيخ بالبقاع والحدود اللبنانية–السورية.
هنا يصبح السؤال مختلفًا عن استعادة شعار "وحدة المسار والمصير". المسألة هي ما إذا كانت إسرائيل، من خلال مواقعها العسكرية وشروطها الأمنية ومفاوضاتها المنفصلة، تدفع عمليًا نحو تصور أمني مترابط على جبهتها الشمالية. فإلى أي حد تستطيع بيروت ودمشق إبقاء التسويتين منفصلتين إذا كانت إسرائيل تقرأ الجغرافيا كجبهة واحدة؟
مساران لا مسار واحد
عاد المسار السوري إلى الحركة في الأيام الأخيرة، حين عقد مسؤولون سوريون وإسرائيليون محادثات بوساطة أميركية في الأردن. ووفق الرواية السورية، تناول البحث آليات لوقف الضربات والاعتقالات والعمليات الإسرائيلية وإحياء مفاوضات اتفاق أمني، بعدما قال وزير الخارجية أسعد الشيباني إن الطرفين كانا قد اقتربا مطلع العام من تفاهم يشمل ترتيبات أمنية في الجنوب ومنطقة عازلة لا يوجد فيها سوى عناصر الأمم المتحدة.
لكن دمشق تضع نقطة البداية في مكان واضح: انسحاب إسرائيل من الأراضي التي سيطرت عليها بعد 8 كانون الأول 2024، والعودة الكاملة إلى اتفاق فصل القوات الموقع عام 1974. كما رفضت خلال محادثات الأردن أي ترتيبات تقيد حقها في إعادة بناء قواتها المسلحة أو تحديد تحالفاتها، ما يعني أن التفاوض السوري يتجاوز خط انتشار محلي إلى سؤال أوسع حول حدود السيادة السورية وشكل القوة المسموح بها داخل البلاد.
في المقابل، ينطلق لبنان من معادلة مختلفة. فاتفاق 26 حزيران جاء بعد حرب جديدة أفضت إلى احتلال إسرائيلي لمساحات جديدة في الجنوب، وقد ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بـ"نزع سلاح متحقق منه" للمجموعات المسلحة وانتشار الدولة. ومع أنّ جولات روما بحثت "المناطق التجريبية" وآلية التحقق والحدود والأسرى، لم تنتج حتى الآن اتفاقًا على توسيع الانسحابات أو على الجهة الثالثة التي ستتولى التحقق.
لذلك لا توجد طاولة لبنانية–سورية مشتركة، ويملك كل بلد مرجعيته وشروطه، لكن اختلاف الطاولتين لا يعني أن نتائج إحداهما لن تؤثر في البيئة التي تتحرك فيها الأخرى.
احتلالان بمرجعيتين مختلفتين
في سوريا، كما في لبنان، تكمن المشكلة في المساحات "الإضافية" التي احتلتها إسرائيل في الآونة الأخيرة. ففي سوريا، وسّعت إسرائيل بعد سقوط الأسد نطاق الأراضي السورية التي تحتلها، فوق احتلالها القائم للجولان منذ عام 1967. دخلت المنطقة العازلة التي كانت تفصل القوات بموجب اتفاق 1974 وسيطرت على مواقع بينها الجانب السوري من جبل الشيخ، ثم واصلت الغارات والتوغلات في الجنوب. لذلك تطالب دمشق بالعودة إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024، وتعتبر ما جرى خرقًا للاتفاق القائم منذ أكثر من نصف قرن.
أما في لبنان، فالوجود الإسرائيلي الحالي نتج عن الحرب الأخيرة، وأصبح بندًا في اتفاق جديد يفترض أن يقود إلى انسحاب تدريجي. غير أن كاتس وسّع في 13 آب معيار الانسحاب، فقال إن إسرائيل لن تغادر "المنطقة الأمنية" ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه وما دام "تهديد حزب الله في كل لبنان" لم يُزل، وأمر الجيش بالاستعداد لـ"وجود ممتد".
هنا يظهر التشابه من دون إلغاء الاختلاف القانوني بين الجبهتين. ففي سوريا يبقى الجيش الإسرائيلي ما دامت هناك "تهديدات جهادية"، وفي لبنان يبقى حتى زوال "تهديد حزب الله في كل لبنان". في الحالتين ينتقل معيار الانسحاب من مساحة يمكن تحديدها على الخريطة إلى تهديد قابل للتفسير والتوسع، ما يمنح إسرائيل هامشًا واسعًا لتقرير متى تحقق الشرط ومتى لم يتحقق.
جبل الشيخ يصل ما تفصله الطاولات
يمنح جبل الشيخ هذه المعادلة بعدها الجغرافي. فالموقع السوري الذي تسيطر عليه إسرائيل يبعد نحو 35 كيلومترًا عن دمشق، ويتيح إشرافًا واسعًا باتجاه جنوب سوريا وسهل البقاع اللبناني، ويمنح إسرائيل قدرة رصد واسعة لمسارات الحركة بين سوريا ولبنان. لذلك اكتسب الجبل بعد 2024 وظيفة تتجاوز مراقبة الجولان إلى متابعة بيئة أوسع تشمل جنوب غرب سوريا والحدود اللبنانية وممرات البقاع.
لا يعني ذلك وجود حزام إسرائيلي متصل عسكريًا من سوريا إلى جنوب لبنان. لا توجد وثيقة معلنة تتحدث عن "منطقة أمنية واحدة"، كما أن طبيعة الانتشار والقواعد التفاوضية مختلفة. لكن الوجود الإسرائيلي المتزامن داخل البلدين يجعل الحدود السياسية أقل حدة من منظور المراقبة والعمل العسكري، خصوصًا عند المثلث الذي تلتقي فيه سوريا ولبنان والأراضي الإسرائيلية المحتلة.
تزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى لبنان لأن البقاع والحدود السورية كانا لسنوات جزءًا من البنية العسكرية واللوجستية لـ"حزب الله". وإذا كانت إسرائيل تربط انسحابها بزوال تهديد الحزب في "كل لبنان"، فإن ما يحدث على الجانب السوري من الحدود لا يبقى منفصلًا بالكامل عن تقييمها لهذا التهديد. هنا لا توحّد الجغرافيا المفاوضات، لكنها تستطيع أن توحّد الحسابات الأمنية التي تضغط عليها.
كيف تعرّف إسرائيل التهديد؟
تظهر الصورة بصورة أوضح عند إدخال تركيا إلى المسار السوري. ففي 18 آب، قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية، وقالت إن دمشق كانت تستعد للسماح بتمركز قوات تركية فيها. نفت سوريا وتركيا ذلك، لكن كاتس عاد من جبل الشيخ ليعلن أن إسرائيل تحركت لمنع محاولة تركية للتموضع في سوريا بما يهدد مصالحها الأمنية.
بهذا المعنى، لا ينحصر المطلب الإسرائيلي في سوريا بمنع قوة معادية على خط وقف إطلاق النار. إسرائيل تريد أيضًا التأثير في شكل انتشار القوات السورية، وحجم النفوذ التركي، والأسلحة والتحالفات التي قد تمتلكها الدولة الجديدة. ولهذا قالت دمشق خلال محادثات الأردن إنها لن تقبل ترتيبات تحد من قدرتها على إعادة بناء الجيش أو اختيار شراكاتها.
أما في لبنان، فيؤدي توسيع الشرط إلى "إزالة تهديد حزب الله في كل لبنان" وظيفة مشابهة. فالمفاوضات تبدأ بمنطقة محتلة في الجنوب، لكن معيار نهايتها يمكن أن ينتقل إلى قدرات الحزب في البقاع أو أماكن أخرى. والقاسم المشترك بين الحالتين ليس اتفاقًا إسرائيليًا واحدًا، بل تصورًا أمنيًا يطالب بتغيير البيئة خلف الحدود قبل التخلي عن المواقع التي احتلتها على تخومها.
هل يستطيع لبنان فصل تسويته عن سوريا؟
مصلحة لبنان واضحة في إبقاء التفاوض محصورًا بما يستطيع هو تنفيذه: انتشار الجيش، حصر السلاح، ترتيبات التحقق، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية. فربط الانسحاب بمستقبل الجيش السوري أو العلاقة بين دمشق وأنقرة أو شكل الترتيب الأمني في جنوب سوريا يعني إدخال شروط لا تملك بيروت القدرة على التحكم بها.
لكن الفصل السياسي له حدود جغرافية. فشبعا وكفرشوبا تقعان عند نقطة التقاء النزاع اللبناني–الإسرائيلي بحدود لبنان مع سوريا، والبقاع ظل مساحة عبور بين الساحتين، فيما يمنح الوجود الإسرائيلي على جبل الشيخ بعدًا جديدًا لهذه العلاقة. لذلك قد لا تكون التسويتان واحدة، لكن كل تسوية ستعيد تشكيل البيئة الأمنية التي تعمل فيها الأخرى.
وتزداد قدرة لبنان على الفصل بين المسارين كلما أصبح الحد الفاصل مع سوريا أكثر وضوحًا وباتت سيطرة الدولة عليه أكبر. فترسيم الحدود وضبط المعابر وإغلاق طرق السلاح غير الشرعية ليست ملفات ثنائية مع دمشق فحسب، بل أدوات تسمح لبيروت بالقول إن ما يجري داخل سوريا لا يمكن استخدامه تلقائيًا لتبرير استمرار الاحتلال داخل لبنان. وبالعكس، كلما بقيت الحدود رخوة، أصبح من الأسهل على إسرائيل توسيع تعريف "التهديد" من الجنوب إلى البقاع ثم إلى الجانب السوري.
لا تعيد هذه الوقائع لبنان وسوريا إلى "مسار واحد"، ولا تثبت وجود مشروع معلن لحزام أمني موحد. لكنها تكشف معادلة أكثر تعقيدًا: لبنان وسوريا يفاوضان إسرائيل كلٌّ على أرضه ووفق مرجعيته، فيما تصوغ إسرائيل شروطها انطلاقًا من تعريف للتهديد يتجاوز خطوط كل طاولة. لذلك قد يكون التحدي أمام لبنان هو أن يحصر التزاماته بما يستطيع تنفيذه داخل أراضيه، وألا يتحول الترابط الجغرافي الذي تراه إسرائيل من جبل الشيخ إلى سبب يجعل انسحابها من الجنوب معلقًا على أمن منطقة تمتد أبعد من لبنان.





















































